المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مفتاح السعادة


 


إمتنان
14 - 6 - 2012, 12:37 PM
السعادة.. من منا لم يبحث عن السعادة؟ ولكن على الرغم من وجودها بالقرب منا، إلا أننا غالبا ما نغفل عنها، بل وننظر إلى ما لدى الآخرين على أساس أن بلوغه هو منتهى السعادة، فلم نعد راضين بما بين أيدينا، بل دائما ما ننظر إلى ما عند الآخرين ونتمنى ما هو في حوزتهم، فيضيع العمر في تمنى ما قد يكون سبب تعاستنا إن حصلنا عليه، إن الإنسان دائما ما يبحث عن المزيد في هذه الدنيا، المزيد من المال، المزيد من المناصب، وهذا ما يجعله يقوم بالمقارنات بينه وبين الآخرين ولا يرى ما حباه الله به من نعم تستحق الشكر والسعادة، فهناك الكثير والكثير ممن حرموا من كثير من النعم وبالرغم من ذلك راضين شاكرين ربهم بما أنعم عليهم من نعم أخرى، والرضا أنواع:

أولاً: الرضا بما قسمه الله وأعطاه، فانظر إلى أعضائك سترى نعم الله - جل وعلا - عليك، ومما يساعدك على ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله))[رواه مسلم].

ثانياً: الرضا بما قدره الله وقضاه، قال علي بن أبى طالب - رضي الله عنه - يعزى رجلا مات ولده: إن صبرت جرى عليك القدر وأنت مأجور، وإن جزعت جرى عليك القدر وأنت مأثوم، فإياك أخي في الله أن تسخط على قضاء الله وقدره.

ثالثاً: وأخيراً الرضا بالله عن كل ما سواه، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((من قال حين يصبح وحين يمسى رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - نبيا ورسولا كان حقا على الله أن يرضيه)).

ولسوف أروى لكم عددا من القصص التي يمكن أن تكون عبرة وعظة لنا، نتعلم من خلالها الرضا بما كتبه الله علينا، وأيّاً كان قضاء الله - تعالى - في المؤمن فإنه يرضى به لأنه لا رادَّ لقضائه، فلو اجتمع الناس جميعاً على أن يدفعوا عنه ضُرّاً قد كتبه الله عليه فإنهم لن يردُّوه، ولو اجتمعوا على أن يمنعوا عنه خيراً قدَّره له فإنهم لن يستطيعوا إلى ذلك سبيلاً.

ومن النماذج الرائعة في الرضا بقضاء الله وقدره هذه القصة.. ذهبت يوماً في زيارة إلى إحدى قريباتي المريضات، والتي أصيبت بمرض يستدعى بتر ساقيها، كنت متوقعة أن أرى الغضب والقنوط على وجهها، ولكني ويا للعجب! وجدت سيدة مؤمنة تناجى ربها وتطلب منه الرحمة والمغفرة، فذهبت إليها مواسية ولكنها قالت لي: سيذهب الساقان ولكن سيبقى البصر والسمع واليدان، وعدّدت لي باقي النعم، وحمدت الله على ما هي عليه قائلة: هناك من هو أكثر منى ابتلاء، فأنا أحب ما أحبه الله وأرضى بما ارتضاه الله، وأسعد بما أختاره الله.

واذكر أيضا قصة شاب في الثلاثين من عمره، أعطاه الله المال وحسن الخلقة والخلق، ولكن ابتلاه الله بمرض في القلب يمنعه ال****، فما كان من هذا الشاب إلا أن حمد ربه ولم يسخط أو يقنط من رحمة الله، بل سخر ما وهبه الله له من مال ليزوج به الشباب ممن هم في مثل عمره ولا يملكون المال.

وهناك أيضا زوجان متعهما الله بالمال، ولكن حرموا من الأولاد، فقاما بكفالة العديد من الأيتام.

فما بال أُناسا قد رزقهم الله الصحة والمال والأولاد وعلى الرغم من كل ذلك يبحثون عن المزيد ولا يشعرون بالسعادة، وذلك لأن قلوبهم قد غفلت عن النعمة الحقيقية، النعمة الروحية العظيمة التي لا يصل إليها إلا من هو قوي بالله إيمانه وحسن به اتصاله، ألا وهى الرضا.

فالمؤمن راضٍ عن نفسه، وراضٍ عن ربه لأنه آمن بكماله، وأيقن بعدله ورحمته، ويعلم أن ما أصابته من مصيبة فبإذن الله، قال - تعالى -: (ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه والله بكل شيء عليم)[التغابن: 41]، والمؤمن يؤمن تمام اليقين أن تدبير الله له أفضل من تدبيره لنفسه، فيناجى ربه: (بيدك الخير إنك على كل شيء قدير)[آل عمران: 26].

فالسعادة الحقيقية كتب الله - تعالى - أن لا ينالها إلا من عرفه - سبحانه وتعالى -، وسلك طريقه، فهو - سبحانه - الذي يملك القلوب، وهو القادر أن يَسكُب السعادة في قلبكِ سكبًا، كما وعد - سبحانه - فقال: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)[النحل: 97].

وقد يتساءل أحدهم: إذا كان الله يقدِّر الخير للطائعين والشرَّ للعاصين، فلماذا نرى الكثير من المؤمنين الطائعين وقد ابتُلُوا بمصائب مختلفة، كالمرض أو الفقر أو فَقْدِ الولد أو عدم الإنجاب وغير ذلك، بينما نرى من العاصين من يغرق في النعيم والخيرات؟ والجواب نسوقه من خلال حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث قال: ((لا يقضي الله للمؤمن من قضاء إلا كان خيراً له، إن أصابته سرَّاءُ شكر وكان خيراً له، وإن أصابته ضرَّاءُ صبر وكان خيراً له، وليس ذلك إلا للمؤمن))[رواه مسلم]. فالله - تعالى - إذا أحبَّ عبداً ابتلاه فإذا صبر اجتباه، وكلَّما ازداد صبراً وشكراً ارتقت درجته عند الله. ولا يزال المؤمن بين شكر على النعم وصبر على المحن حتَّى ينال درجة الأبرار والصدِّيقين، قال - صلى الله عليه وسلم -: ((أشدُّ الناس بلاءً الأنبياء ثمَّ الأمثل فالأمثل. يُبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة اشتدَّ بلاؤه، وإن كان في دينه رِقَّة ابتُلي على قدر دينه، فما يبرح البلاء الإنسان حتَّى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة))[أخرجه الترمذي].

وقد أُثِر عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - دعاؤه: ((اللهم إني أسألك الرضا بعد القضاء))[أخرجه الطبراني].

وأهل الحكمة لا يغالون في الحزن على شيء فاتهم، لأنهم لا يعرفون على وجه اليقين إن كان فواته شراً خالصاً أم خيراً خفياً أراد الله به أن يجنبهم ضرراً أكبر، ولا يغالون في الابتهاج لنفس السبب، ويشكرون الله دائماً على كل ما أعطاهم، ويفرحون باعتدال، ويحزنون على ما فاتهم بصبر جميل، فهؤلاء هم السعداء.

فإن الإنسان مهما أوتي من زينة الحياة الدنيا، ومهما ملك وحاز من أسباب السعادة؛ فإنه لن يستطيع أن يحوز السعادة طالما كان بعيدًا عن طريق الله تعالى؛ فالعبد الذي يكثر من شكر الله - تعالى - على نعمه بلسانه وبقلبه؛ يقذف الله في قلبه الرضا والسعادة بما أعطاه وقسمه له، لذلك من أشدّ المنغصات التي يُعاني منها البشر اليوم أنهم يفكرون بما ينقصهم ولا يفكرون بما يملكون؛ فالإنسان يملك الكثير والكثير من مقومات السعادة.

يقول علماء النفس إن كثيراً من الهموم والضغوط النفسية سببها عدم الرضا، فقد لا نحصل على ما نريد وحتى لو حصلنا على ما نريد فقد لا يعطينا ذلك الرضا التام الذي كنا نؤمله، فالصورة التي كنا نتخيلها قبل الإنجاز أبهي من الواقع.

إن الرضا بما قسم الله - تعالى - مرتبة رفيعة جداً يجدر بالمؤمنين والمؤمنات أن يسعوا لبلوغها، ولكن ليس معناه أن لا يسعى الإنسان في رفع مشاكله أو سدّ نواقص حياته أو دفع معاناته، بل عليه أن يعمل عملاً دؤوبا ويواصل نشاطاته ويبذل جهده وسعيه ومع ذلك يقنع بما قسمه الله - عز وجل - له، حتى يهنأ في معيشته وحياته، فليس كل ما يبتغيه الإنسان وما يصبو إليه يوفّق له، فما أجملها من سعادة عندما يعيش الإنسان راضيا بقضاء الله..

وكيف لا نرضى بقضاء الله وهو أعلم بالخير لنا، ما ابتلانا إلا ليطهرنا وما حرمنا إلا ليرزقنا وما أخذ منا إلا ليعطينا، فلنرض بقضاء الله وقدره، وأي مصيبة تهون ما دامت في غير ديننا، ولنتذكر قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((ارض بما قسم الله تكن أغنى الناس)).


بقلم الكاتبه :هدى محمد نبيه

ماجدالعتيبي
3 - 7 - 2012, 01:07 AM
كلمات رائعه جداً
بارك الله في كاتبته وناقلته
حفظ الله الجميع

إمتنان
3 - 7 - 2012, 10:36 PM
أستاذ ماجد
أشكرك عالمروربموضوعي