• ×

06:57 مساءً , السبت 20 يناير 2018

متى يلتحق أطفال العرب بـ50 سنة من تعليم التشفير؟

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 في مطلع كانون الأول (ديسمبر) 2017، أذهل «غوغل» متابعي الشأن المعلوماتي والجمهور الإلكتروني بأن وضع «دوودل» Doodle في صدارة موقعه العالمي. للمرّة الأولى منذ انطلاقته قبل 19 سنة، ظهرت الـ «دوودل» على هيئة لعبة أطفال ضاحكة عن جمع كمية من الجَزَرْ، لكن قوامها فعليّاً هو استخدام التشفير Coding من قِبَل الأطفال للوصول إلى تلك الجزرات. وتعني كلمة «دوودل» تلك الخربشة التي ترسمها اليد عندما يكون صاحبها ساهيّاً، يلاعب البياض بخطوط أقرب إلى اللـهو، وهي تحمل أيضاً الكثير من فكر من «يخربشها»، وربما مكنونات متفاعلة في لاوعيه أيضاً.

ولربما بدا غريباً لبعض الجمهور في العالم العربي الحديث عن التشفير، وهو مهارة تقنيّة متقدّمة في برمجة الكومبيوتر، باعتباره لعبة أطفال. ولكن، يكفي تتبع تلك الـ «دوودل» التفاعليّة عينها لاكتشاف ما يعرفه متابعو الشأن المعلوماتي جيّداً: تعليم الأطفال تقنيات التشفير استُهل منذ نصف قرن. ومنذ ذلك الوقت، لم يكف الاهتمام به، بل تصاعد باستمرار. وبعبارة اخرى، بات الطفل في العقد الثاني من القرن 21 يملك خبرة نصف قرن من تعلّم التشفير. وابتدأ الأمر في «معهد ماساشوستس للتقنية» بالذات، عبر مبادرة قادها خبير الكومبيوتر سايمور بابيرت بالتعاون مع فريق من البحّاثة. وتمثّلت الفكرة الأساسيّة بصنع برنامج سهل، لا يتضمن تفاصيل تقنية معقّدة ولا حتى صيغاً كلاميّة متطوّرة، بل يخاطب الطفل بلغته ليعلّمه التشفير. وجرى التشديد على ضرورة أن يتمكن الطفل من التعلّم بنفسه، مع حدّ أدنى من التدخل، وألا يتطلّب التشفير معارف وعلوماً مسبقة.

وبديهي القول إنّ فريق بابيرت اعتمد على لغة بصريّة أساساً في تلك المقاربة. وقبل نصف قرن، ظهر برنامج «لوغو» Logo الذي كان بداية برامج تعليم التشفير للأطفال. ألا يدعو إلى التفكير العميق أن أحد أهم جامعات العالم وأكثرها تقدّماً وتطوّراً وحصداً لجوائز «نوبل»، اهتم إلى ذلك الحدّ بتعليم الأطفال التشفير، بل بداية من الصفوف المدرسيّة الأولى؟

وبصورة تدريجيّة، تحوّلت مبادرة بابيرت إلى مسار ثابت. وظهر مختبر «التعليم مدى الحياة لأطفال الحضانة»، الذي اشتهر بصنع برنامج «سكراتش» Scrath وهو اسم يحمل إشارة تعليم الأطفال صنع برامج تشفير انطلاقاً من الصفر. وحاضراً، هناك مجموعات كبيرة من البرامج والألعاب المعدّة لتعليم التشفير للأطفال.

ماذا عن الأسرة؟

الأرجح أن الأسرة حاضراً باتت مطالبة أيضاً بألا تغفل ذلك، بل بأن تنخرط فيه للحفاظ على خطوط التواصل مع الطفولة المعاصرة.

وفي بريطانيا ومجموعة من الدول الغربيّة، أُدخِل التشفير كجزء أساسي في المقرّرات المدرسيّة للأطفال في سني الدراسة الأولى. وصنع «غوغل» لعبة الـ «دوودل» المحتفية بالتشفير عند الأطفال، بالتعاون مع مجموعة «سكراتش» في «معهد ماساشوستس» للتقنية، مع تذكّر أن برنامج «سكراتش» Scratch كان طليعة تعليم الناشئة أسرار التشفير. والطريف أن الإعلام البريطاني رافق ذكرى حلول نصف قرن على التشفير عند الأطفال، بنشر دراسة أُجرِيَت في 2017 على ألف شخص، وأظهرت أن ثلثي الآباء يجهلون أن صغارهم يتمرسون في التشفير في المدراس، بل حتى بعض الحضانات.

والطريف أن بعض الآباء أقرّوا بدهشتهم لدى سماع أطفالهم يتداولون كلمات كـ«وصلات إلكترونيّة» و«قوائم مفاجئة» و«إنزال مواد من الشبكة»، فيما أوردت غالبية ساحقة (70 في المئة) منهم أنهم سمعوا أطفالهم يتداولون مصطلحات كـ «برنامج مضروب بحشرة إلكترونيّة» Bugged Program، و«خوارزميات الحاسوب» Computer Algorithm، و«برامج كوكيز» Cookies وغيرها! ولعله أمر لا يخلو من المفارقة أنّ ثلثي الآباء أعربوا عن اقتناعهم التام بأن تعلّم التشفير أمر أساسي لمستقبل أطفالهم.

وأظهرت الدراسة عينها مدى جهل الآباء بمسألة برمجة الكومبيوتر، مع الإشارة إلى أن التشفير هو الأساس والأداة في صنع برامج الحاسوب. إذ اعترف 90 في المئة منهم بجهلهم التام بالبرمجة، فيما أقرّ ثلثهم بأنهم يتعلمون من الأطفال معلومات تقنية عن الحاسوب والخليوي. ويشمل ذلك أشياء بدت بسيطة في عيون أطفالهم، كتخليص البرامج من «الحشرات الإلكترونيّة»، والتلاعب بشيفرة النصوص المكتوبه، والتعامل مع المكوّنات المرئيّة من التشفير. وعلّق أحد خبراء الكومبيوتر في شركة «فيشر- برايس» على تلك الدراسة بالإشارة إلى انقلاب قواعد التعلّم والمعرفة بين الأجيال في مجال التقنية والتشفير، بمعنى أن يكون الآباء والأمهات هم الطرف الذي يحتاج إلى المساعدة في المنزل فيهما!

ماذا لو أُجريَت دراسة مماثلة في العالم العربي؟ هل سمع صوت لأي مسؤول عربي ينادي بضرورة جعل دراسة التشفير جزءاً من التعليم المدرسي، أو حتى الجامعي؟ هل ما زال الخوف هو المتحكّم في الذهنيّات العربيّة عند نقاش تلك المسألة؟ هل خطر ببالهم أيضاً أنّ من يتعلّم التشفير هو جندي المستقبل في حروب الإنترنت المستعرة التي ربما صارت جزءاً من الحياة اليوميّة للدول وسيادتها واستقلالها في مستقبل قريب، بل لعله كذلك الآن؟
بواسطة : هدير
 0  0  10